محمود سالم محمد

11

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

صورة مشرقة من صور الأدب المملوكي ، تترك لدى المطلع انطباعا مغايرا لما هو سائد عنه ، فوقعت على المدائح النبوية ، الفن الشعري الذي نما وتكامل في هذا العصر ، فكان أبرز فنونه وأرقاها ، وأكثرها تأثيرا في الحركة الشعرية وفي مجتمع ذلك الوقت ، وهو الفن الذي استمر وجوده والإقبال عليه إلى أيامنا هذه . ولم يرزق هذا الفن إلى الآن من يدرسه دراسة جادة متأنية ، تحيط بكل قضاياه ، وتبرز أهميته وأثره ، ومن التفت إليه كانت التفاتته عجلى ، اقتصرت على الوصف والتعداد دون الدخول إلى جوهره ، وبسط النظر في تركيبه ، وبيان تطوره ، وإذا غاص فيه ، قصر ذلك على قصائد بعينها أو شاعر بعينه ، فاحتاج الأمر إلى بسط القول فيه ، وإيضاح معالمه في أذهان من سمعوا به أو قرؤوا شيئا منه ، وفي أذهان من يهتزون طربا للمدائح النبوية المنشدة ، ولمعانيها البديعة في أيامنا هذه . وربما تساءل بعض المطلعين حول صحة هذا الادعاء ، فللدكتور ( زكي مبارك ) كتاب بعنوان ( المدائح النبوية في الأدب العربي ) ، وهو يظهر من عنوانه أنه أوسع وأشمل من عنوان البحث الذي اخترته ، وهذا صحيح ، فللدكتور مبارك فضل الريادة في هذا الباب ، لكنه لم يكن يقصد التأليف في المدائح النبوية ، ولم يتوسع في دراستها ، وجاء كتابه أقرب إلى التعريف منه إلى الدراسة المستأنية ، خلط فيه المديح النبوي مع الشعر الديني باتجاهاته المختلفة . فقد عرضه ضمن دراسة أخرى ، ثم فصله عنها كما قال في مقدمة كتابه : « هذا كتاب لم يكن ظهوره في الحسبان ، فهو في الأصل باب من كتاب قدمته إلى الجامعة المصرية عن ( أثر التصوف في الأدب والأخلاق ) ورأت اللجنة المؤلفة بدرسه أن الباب الخاص بالمدائح النبوية خليق بأن يظهر مستقلا عن الأصل بعض الاستقلال » « 1 » .

--> ( 1 ) مبارك ، د . زكي : المدائح النبوية في الأدب العربي ص 8 .